الشوكاني
180
فتح القدير
فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى فقتلهم الملوك ونشرتهم بالمناشير ، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك ولا بالمقام معهم فساحوا في الجبال وترهبوا فيها وهم الذين قال الله ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) هم الذين آمنوا بي وصدقوني ( وكثير منهم فاسقون ) الذين جحدوني وكفروا بي " . وأخرج النسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال : " كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإنجيل ، فكان منهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل فقيل لملوكهم ما نجد شيئا أشد من شتم يشتمنا هؤلاء إنهم يقرءون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون - فأولئك هم الفاسقون - مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم ، فادعوهم فليقرءوا كما نقرأ وليؤمنوا كما آمنا ، فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل ، أو ليتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منهما ، فقالوا ما تريدون إلى ذلك ؟ دعونا ، فقالت طائفة منهم : ابنوا لنا أسطوانة ثم ارفعونا إليها ، ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم ، وقالت طائفة : دعونا سيح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل منه الوحوش ونشرب مما تشرب ، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا ، وقالت طائفة : ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم ، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم ففعلوا ذلك ، فأنزل الله ( رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ) وقال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك وفنى من فنى منهم قالوا : نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورا كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبق منهم إلا القليل انحط صاحب الصومعة من صومعته وجاء السياح من سياحته وصاحب الدير من ديره ، فآمنوا به وصدقوه ، فقال الله يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ) أجرين بإيمانهم بعيسى ونصب أنفسهم والتوراة والإنجيل ، وبإيمانهم بمحمد وتصديقهم ( ويجعل لكم نورا تمشون به ) القرآن واتباعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم " . وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وأبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن لكل أمة رهبانية ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري في قوله ( كفلين ) قال : ضعفين وهي بلسان الحبشة . وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله ( يؤتكم كفلين من رحمته ) قال : الكفل ثلاثمائة جزء وخمسون جزءا من رحمة الله .